2008/12/16

10 أيار في الذاكرة

10 أيار في الذاكرة

من دولة بلا حدود
خرج شيخ جليل يلبس لون راية السلام
وأخلاق وداعة الحمام
كما من فلك نوح اتّجه في مثل هذا اليوم
ليحط في نافذة فلك الشرق
في وطن اسمه لبنان
حاملا لا بندقية ولا آلات حربية
بل كلمة "السلام معكم".
بثوبه الأبيض كنقاوة ثلوج وقلوب أبناء هذا الوطن
رفرف من باب فلك سماوي
حطّ في مطار الشرق بيروت
يقبل تراب لبنان
الذي أحرقته عدوانية أبنائه له
وأطماع الأعداء به.
اجتاز السواتر الفكرية والعقائدية والحزبية والدينية بين اللبنانيين
وعبر في القلوب المتنافرة فجمعها
كيف لا وفي يده مفاتيح السماء
فهل يعجز عن فتح القلوب على الحب والتسامح والتلاقي.
استقبله الجميع
بعض على مضض
وبعض بحسب ما تقتضيه مصالحه.
دولة بلا حدود
تحمل السلام رسالة لأهل الشرق
والأمل بغد أفضل لأبناء لبنان.
دولة لا تهادن
تعلن السلام على الحرب
والحب على البغض
والرجاء على اليأس
والاتـفاق على الخلاف
وتعلن الحرب على الشرائع التي تبيح الناس للناس.
دولة بلا حدود
مساحتها 44 هكتارا
ورئيسها شيخ جليل
حرسها دمى
وجنودها يحملون رماحا لا تجرح
وحربها لا تميت إنسانا ولا تسبب دمارا…
ولو اجتمعت عليها كل القوى
فحتى أبواب الجحيم لن تقوى عليها.
دولة بلا حدود
يرئسها البابا يوحنا بولس الثاني
أب الكنيسة المجاهدة
يأتمر بأمره نحو مليار إنسان من أصحاب النوايا الصالحة
شيخ هرم معه الزمن
وتعب الذين هم من حوله
وهو لا يستريح ولا يهدأ
لأنه يعرف أن استراحة المجاهد ليست في هذه العالم
ويعرف أن الهدأة هي في الموت.
حجّ إلى لبنان الأرض المقدسة
قبل أن يحجّ إلى الأرض التي تقدست بمرور المسيح عليها
يتهمونه بخرق الأعراف والتقاليد
وقد هدم أسوار روما قبل حائط برلين وأسوار الصين.
يدعوه بعض الأراعن للاستقالة!
وهل تستقيل الفضيلة عن السعي إلى الحقيقة
وهل يستقيل السلام عن أن ينبت في أرض البشر
وهل تستقيل المحبة عن الحب…
يسير كالسلحفاة
ولكنه يسبق الذين يحسبون ذواتهم أن لهم سرعة الأرانب
متسابقين لخلافته على منصبه.
هذا الشيخ الجليل الخارج من شرنقة الفاتيكان
سالكا الطريق العكسية لبولس الرسول
نحو لبنان
نحو بيت لحم والناصرة والجلجلة والقيامة
نحو دول العالم كل دول العالم
فحيث يمرّ يصبح المكان هناك مزارا
يصبح محطة في تاريخ المستقبل
إلا في لبنان.
في لبنان مرّ كسهم في الفضاء ولم يترك أثرا أكثر من صدى
مرّ كغمامة أمطرت فما استسقت أرض هذا الوطن ولا شعبه منها.
استقبلوه قرب مزبلة بيروت
فأصبحت للقمامة قيمة في ذاك المكان…
كثيرون سواه أتوا لبنان فاتحين
فأساؤوا إلى هذا الوطن
وتآمروا عليه وهدموا حضارته
ذبحوا أبناءه وسبوا نساءه
أحرقوا علمه وداسوا كرامته
هجّروا سكانه وشرّدوا شعبه
وجعلوا دماء أطفاله خمرة في كؤوس تسلّطهم
فأقام لهم اللبنانيون التماثيل والأنصاب
وسمّوا الشوارع بأسمائهم
وجعلوا لهم أعيادا موسمية
وأمّا الآتي ليعطي السلام لأهل هذا الوطن
نسيه شعب هذا الوطن
ولم يقم له ليس نصباً تذكارياً وحسب
بل ولا يافطة تشير إلى حيث جمع كل اللبنانيين
في بوتقة الوطن الواحد
الوطن الأنموذج الفريد في العيش المشترك
ولو حتى قرب قمامتهم السلسلة الجديدة الثالثة لجبال لبنان
هذا الذي حمل شعب لبنان في قلبه وعلى لسانه وفي خطبه
وجعل لبنان قيمة ورسالة
وأمثولة تعايش للشعوب في الشرق وفي كل العالم
بماذا كرّمه شعب هذا الوطن؟
ماذا فعلتم له
يا دولة لبنان
ويا شعب لبنان
في ذكرى العاشر من أيار
ذكرى مجيئه إلى لبنان.

10- 11 ايار 1997

الأب جورج صغـبيني

ليست هناك تعليقات: