2012/08/23

الكلام المباح، مجلة الأميرة،قراءة سياسيّة للجيش وقراءة عسكريّة للسياسة، الأب جورج صغبيني




قراءة سياسيّة للجيش وقراءة عسكريّة للسياسة [1] 

مأساة جيش لبنان،
أنه ضحية سياسيّيه.
هذا الواقع في لبنان غير ما هو عليه في جميع دول المنطقة والعالم.
إن الجيوش تأتمر بأمر القيادة العليا لها، وما تأمر به الحكومة مجتمعة، إلاّ في لبنان فلكلّ سياسيّ جيش ولكلّ طائفة عسكر ولكلّ زعيم جنود حتى بات الولاء للمناطقية يغلب على الولاء للوطن.
هذا الواقع كان إلى زمن غير بعيد متّبعا في سياسة توافقيّة بين زعماء طوائف الوطن يتقاسمونه بالتراضي.
وقد افرد المرحوم النائب العقيد فؤاد لحّود كتابا بهذا الموضوع سمّاه "مأساة جيش لبنان" شرح فيه بالتفاصيل الموثوقة مشكلة وطنية اعتبرها البعض تجنّ عليهم حين اراد أن يجعل من هذه "العسكريتايا" مؤسّسة وطنية ينصهر في بوتقتها كل الوطن أحزابا وطوائف وأديانا وزعامات وعشائر. وليس السبيل لوحدة الوطن إلاّ من خلال هذه المؤسّسة التي تبقى مساوئها، أفضل من فضائل سواها، مهما  تعاظمت.
لقد أسهب العقيد لحّود في تمجيد بطولة الجيش اللبناني عبر التاريخ ليقارن  بأُسلوبه الديبلوماسي مع واقعه في أيامه وكأنّه يدعو السياسيين ليرفعوا يدهم عن هذه المؤسّسة فلا يفسدوا قيمها وتضحياتها بمصالحهم المبتذلة…
يتساءل العقيد  لحّود قائلا:"هل يبقى لبنان يفتّش عن جيش من الخارج لإنقاذ ما تبقّى من لبنان".
ويضيف :" من عارض سوريا في الماضي يتمسّك بها اليوم لخلاصه…".
و"من كان يعادي فرنسا بالأمس يدعوها اليوم لإرسال قوّاتها إلى لبنان".
فمأساة الجيش ليست في الجيش.
هذا الجيش الذي تسلّمته السلطة اللبنانية من السلطة الفرنسيّة في الأوّل من آب 1945، وكان أوّل قائد له الأمير فؤاد شهاب الذي اصبح ألأفضل والأخلص... للبنان بين كلّ رؤساء الجمهوريّة اللبنانية.
هذا الجيش ليس وليد ساعته بل يحمل في تاريخه بطولات الزمن الغابر… منذ هنيبعل الذي دقّ أبواب روما… إلى المردة الذين دبّوا الرعب في نفوس الأعراب والأروام…  إلى الأمير المعني وتوسّع جغرافية الإمارة إلى حدودها الطبيعيّة من القدس إلى عكـّار وقد استبسل جيشه في معارك حماه ومجدل عنجر وغزّة…
ولكن في أيام الأمير الشهابي حين أصبح الجيش الوطني بإمرة دولة مصر بقيادة ابراهيم باشا ضربه التفكّك والتلاشي… لولا قسم عاميّة انطلياس التي عادت فجمعت شمل أبناء الوطن...
حتى بات منذ سنة 1841 في عهد القائمقاميتين جيشين لدولتين…
وتقزّمت مبادرته مع بداية عهد ا لمتصرّفيّة إلى حين اندحار تركيّا في الحرب العالميّة الأولى التي التحقت فيها فلول الجيش اللبناني بـ"فرقة" الشرق وقاتلوا على جبهة فلسطين في صفوف الحلفاء.
ومع عهد الإنتداب عام 1920 كانت أوّل وحدات لبنانيّة سوريّة عرفت بـ"قوّات الشرق المساعدة" وعرفت عام 1930 بـ"قوات الشرق الخاصّة" قد خاضت معاً معارك عديدة أدّت في الختام إلى استقلال لبنان واستقلال سوريا.
لقد امتزجت الدماء من أجل وحدة القضيّة ومن أجل وحدة المسار والمصير بحسب تعبير المقدّم فوزي سلّو، قائد الفوج  السابع السوري المكلّف باحتلال قصر بيت الدين حينها، لقائد سريّة النقل 105 فؤاد لحّود:" علينا أن نتعاون كلّنا لأن الضربة الموجّهة اليوم إلى لبنان ستوجّه غدا لسوريا…"
هذا التعاون الإستقلالي أعطى لبنان وسوريا استقلال كلّ منهما
وتمّ وضع فوج القنّاصة الأول الذي كان بقيادة المقدّم جميل لحّود تحت تصرّف السلطة اللبنانيّة تمهيدا لاستلام بقيّة الوحدات اللبنانيّة…
وكان الأوّل من آب سنة 1945 يوم تحقيق الأماني فتسلّمت السلطة اللبنانيّة مقدّرات جيشها الصغير بعديده وعتاده والكبير ببطولاته وأمجاده بقيادة الأميراللواء فؤاد شهاب.
هذا الجيش الذي أروى بدمائه أرض الوطن وأفشل بوحدته مخطّطات تقسيميّة وانقلابيّة… لا يزال مصير ووحدة هذا الوطن مرتهنين  بوحدته ومناعته ضدّ كلّ ما يسيء إلى وحدة الشعب والأرض.
إنّ تسلّم اللواء فؤاد شهاب رئاسة الجمهوريّة إنما كان  على أثر توافق جميع اللبنانيين لإصلاح ذات البين في ما بينهم بعد أن تطاحنوا في حرب عبسيّة كالتي عاد لبنان ومرّ فيها بفضل سياسيّيه الفطاحل الذين أورثوا لبنان ما أورثوه من خراب ودمار وشهداء وأبرياء ماتوا من أجل لا شيء طيلة نحو عشرين عاما …
وإن كانت حكومة نور الدين الرفاعي العسكريّة والشبه إنقلابية بتاريخ 23 أيار 1975 لم ترَ النور بسبب تصلّب أراء بعض المتآمرين على لبنان وإلاّ لكنّا بغنى عن عشرين سنة تقاتل وتذابح على الهويّة الطائفيّة والحزبيّة تحت شعارات جوفاء…
وإن كانت الحكومة الإنتقاليّة مع العماد ميشال عون جاءت في ظروف لا تسمح بإنقاذ ما تبقّى لإنقاذه.
فإنّ تسلّم العماد إميل لحّود لزمام سفينة الوطن كان حلم جميع اللبنانيين الذين وجدوا  فيه المنقذ لوحدة الوطن بعد أن وحّد الجيش في بوتقة الوطن الواحد إلاّ بعض الحردين الخائفين على مصالحم من حضور دولة القانون والمؤسّسات إذ يريدون "أن يبقى الحبل على غاربهم حتى بدون توكّل".
كما وإن جميع أصحاب النوايا الخيّرة ترى أن لا خلاص إلاّ بحضور الجيش الحسّي والفاعل على كلّ شبر من الأرض اللبنانية وإلاّ يبقى الخوف مسيطراً على البعض من هؤلاء لغياب الجيش عن الساحة اللبنانية.
فالجيش اللبناني الذي يأمن له كلّ مواطن سلّم أمره لله ولسلطة القانون والشرعيّة يأمل أن يكون هذا الجيش حصنه وحمايته من قطّاع الطرق وقاطعي أوصال القانون  ومقتطعي الوطن أوطانا وقاصمي ظهر الدولة رغم تغنّي البعض بالسياسة الفاسدة التي أغنتنا بكلّ ما لها من مساوئ وويلات. فمن يحاسب مثل هؤلاء وأيّ سقف يستظلّهم؟
لقد انقطع زمن الإمارة والمشيخة والباكويّة
واستقطع زمن  التولّي على جغرافية الوطن
بحسب الخراج والعائليّة والفخذيّة
وحان لدولة الديمقراطيّة أن تحلّ
بالفعل لا بالاسم
تحت أمرة رئيس واحد وجيش واحد
مهما  تعاظمت الصعاب وتوالت صروف الزمن.
فإننا مع هذا الجيش
نأمن على غدنا
أكثر ممّا نأمن على أنفسنا من أنفسنا.     

               تموز 2000  الأب جورج صغبيني





[1] - مجلة الأميرة، الأوّل من آب 2000

ليست هناك تعليقات: